الزركشي

174

البحر المحيط في أصول الفقه

أي لا خلاف في عدم اقتضائه الفساد إذ لا تضاد بين الاعتداد بالشيء مع كونه مكروها وعلى ذلك بنى أصحابنا صحة الصلاة في الحمام وأعطان الإبل والمقبرة ونحوه مع القول بكراهتها لكن صرح الغزالي في المستصفى بجريانه في نهي الكراهة قال كما يتضاد الحرام والواجب يتضاد المكروه والواجب حتى لا يكون الشيء واجبا مكروها وهذا هو الظاهر لأن المكروه مطلوب الترك والصحة أمر شرعي فلا يمكن كونه صحيحا لأن طلب تركه يوجب عدم الإتيان به إذا وقع وذلك هو الفساد ولهذا قلنا إن مطلق الأمر لا يتناول المكروه خلافا للحنفية ولا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة وإن قلنا إنها كراهة تنزيه وقد قال ابن الصلاح والنووي إن الكراهة مانعة من الصحة سواء كانت تحريما أو تنزيها لأنها تضاد الأمر كيف كانت لأنها للترك والأمر طلب الفعل وقد استشكل ذلك عليهما ولا إشكال لما قررناه . قالا ومأخذ الوجهين أن النهي هل يعود إلى نفس الصلاة أم إلى خارج عنها ومن هنا حكى بعضهم قولين في أن نهي التنزيه إذا كان لعين الشيء هل يقتضي الفساد أم لا وقد يتوقف في نهي التنزيه لأن التناقض إنما يجيء إذا كان النهي للتحريم . وعلى تقدير ما قاله الغزالي وابن الصلاح فذلك التضاد إنما يجيء فيما هو واجب خاصة لما بين الوجوب والكراهة من التباين فأما الصحة مع الإباحة كما في العقود المنهي عنها تنزيها فلا تضاد حينئذ والفساد مختص بما كان النهي فيه للتحريم . الأمر الخامس أن الخلاف في أنه هل يقتضي الفساد أم لا إنما هو في الفساد بمعنى البطلان على رأينا أنهما مترادفان لا بالمعنى الذي ذهب إليه أبو حنيفة نبه عليه الهندي وأشار إليه ابن فورك . السادس قد تقدم أن الفساد إذا أطلق في العبادات أريد به عدم الإجزاء وإذا أطلق في المعاملات أريد به عدم ترتب آثار المعقود عليها من اللزوم وانتقال الملك وصحة التصرف وغير ذلك من الأحكام وعلى هذا فإذا قيل النهي يقتضي الفساد ويدل عليه معناه أن المنهي عنه إذا قدر وقوعه لا يجزئ في نفسه إن كان عبادة ولا يترتب عليه حكمه إن كان معاملة وإذا قيل لا يدل على الفساد فإن أريد به أن النهي يقتضي صحة المنهي عنه وترتب عليه أحكامه كالمنقول عن الحنفية ففاسد وإن أريد به أن صيغة النهي لا تنصرف لشيء من ذينك الأمرين وهو الظاهر كان أقرب فإن الفساد حينئذ إنما يأخذونه من القرائن والدليل عليه أن الصيغة لو دلت عليه